لم تكن المكتبة في المدينة الإسلامية مكاناً لحفظ الكتب فحسب، بل كانت مجلساً للعلماء، ومقصداً للطلاب، ودليلاً على مكانة المدينة وأهلها. وقد بلغ من عناية المسلمين بالكتب أن صارت المكتبات تُعدّ من مفاخر الدول.
الورق يغيّر كل شيء
كان انتشار صناعة الورق في العالم الإسلامي منذ القرن الثاني الهجري نقطة تحول كبرى؛ فقد صار الكتاب أيسر صنعاً وأرخص ثمناً، وكثر الورّاقون وانتشرت أسواقهم في المدن، فاتسعت حركة التأليف والنسخ اتساعاً لم يُعرف من قبل.
بيت الحكمة في بغداد
ارتبط اسم بيت الحكمة بخلفاء بني العباس، وبلغ أوجه في عهد المأمون، فكان خزانة كتب ومجمعاً للعلماء والمترجمين والنسّاخ، تُنقل إليه علوم الأمم وتُدرس وتُشرح، وصار نموذجاً احتذته المدن الأخرى.
دار العلم في القاهرة وخزائن الأندلس
وفي القاهرة أُنشئت دار العلم في أوائل القرن الخامس الهجري، وفُتحت أبوابها للقراء والنسّاخ، وأُجريت فيها الأرزاق على القائمين عليها. وفي الأندلس اشتهرت قرطبة بخزائن كتبها، وتذكر الروايات أن مكتبة الحكم المستنصر ضمت مئات الآلاف من المجلدات، وكان له وكلاء يشترون له الكتب من أقطار الأرض.
مكتبات المساجد والمدارس والأوقاف
غير أن أكثر المكتبات أثراً في حياة الناس لم تكن مكتبات الخلفاء، بل خزائن الكتب الموقوفة في المساجد والمدارس. فقد كان العلماء والأعيان يقفون كتبهم على طلبة العلم، ويشترطون أن تبقى في متناولهم، فصارت كل مدرسة كبيرة تضم خزانة يرجع إليها المدرس والطالب.
المكتبة الظاهرية في دمشق
ولدمشق في هذا التاريخ مكانة خاصة؛ فالمكتبة الظاهرية التي نشأت في المدرسة الظاهرية قرب الجامع الأموي جمعت على مر الزمان نفائس المخطوطات من مكتبات المدارس الدمشقية، وصارت من أهم خزائن المخطوطات في العالم الإسلامي، وما زالت مخطوطاتها اليوم مصدراً لكثير من الكتب المحققة.
رسالة متصلة
إن الكتب التي تصل إلى أيدينا اليوم محققة مطبوعة هي ثمرة هذه السلسلة الطويلة من العناية: ناسخ نسخ، وواقف وقف، وخازن حفظ، ومحقق أخرج. وفي دار طيبة نرى عملنا حلقة في هذه السلسلة، ونسعى أن نوصل هذا الميراث إلى قارئه في أبهى صورة.
